البغدادي
84
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
لا مال له قليل ولا كثير على الموضع . وقال امرؤ القيس : ويلمّها في هواء الجوّ طالبة * . . . البيت كأنه قال : ولا شيء كهذا ، ورفع على الموضع ، وإن شئت نصبت على التفسير كأنه قال : لا أحد كزيد رجلا . قال سيبويه : ونظير لا كزيد في حذفهم الاسم قولهم : لا عليك ؛ وإنما يريدون لا بأس عليك ولا شيء عليك ، ولكنه حذف لكثرة استعمالهم إياه . انتهى . واعلم أنّه يجوز أن يكون مطلوب مبتدأ مؤخرا واسم « لا » بمعنى ليس والظرف قبله الخبر . قال النحاس في « شرح أبيات الكتاب » ناقلا عن أبي الحسن الأخفش : هذا هو الجيد . وقوله : « ويلمّها » . الخ ، هذا في صورة الدعاء على الشيء ، والمراد به التعجب ، والضمير المؤنث مفسّر بالتمييز ، أعني طالبة المراد بها العقاب ، وهو تمييز عن النسبة الحاصلة بالإضافة ، وقد أوضحها الشارح المحقق في باب التمييز . ومعنى الكلام : ما أشدّ طيران هذه العقاب في هواء الجوّ . وويل إذا أضيفت فالوجه النصب ، كقولك ويل زيد ، لكنها هنا مضمومة اللام أو مكسورة والأصل ويل لأمّها . قد تقدم شرح جميع هذا مفصّلا في الشاهد الحادي عشر والثاني عشر بعد المائتين « 1 » . وهذه رواية النحاة ، وأما الثابت في ديوان امرئ القيس فهو : لا كالتي في هواء الجوّ طالبة ( البيت ) و « الهواء » : الشيء الخالي ، و « الجوّ » : ما بين السماء والأرض ، فهو من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها . وأراد بالمطلوب الذئب ، فإنه وصف عقابا تبعت ذئبا لتصيده ، فتعجّب منها في شدّة طلبها ، وتعجّب من الذئب أيضا في سرعته وشدّة هربه منها .
--> ( 1 ) في الأصل : " في الشاهد الثامن والتاسع بعد المائتين " . وانظر لذلك الخزانة الجزء الثلث ص 258 ، 263 . وقد نبه على هذا الخطأ محققو الخزانة الطبعة السلفية 4 / 68 ؛ وطبعة هارون 4 / 92 .